كلمة رئيس التحرير ا د ايمن عامر
يتضمن العدد الراهن (العدد الثالث لعام 2019- يوليو 2019)، أربعة بحوث إمبريقية. انتمت نتائج أحد البحوث إلى علم النفس الإكلينيكي، وانتمى بحثان آخران إلى مجال الإرشاد الزواجي أمَّا البحث الرابع فكان أقرب إلى مقال القياس النفسي وعلم نفس الشخصية بسعيه إلى الكشف عن البناء العاملي لإحدى سمات الشخصية.
أجرت البحث الأول الأستاذة الدكتورة/ هناء شويخ، أستاذ علم النفس الإكلينيكي ورئيس قسم علم النفس بكلية الآداب جامعة الفيوم، والذي هدف إلى توضيح دور عدة متغيرات إيجابية مثل الحكمة، والتدين، والسعادة، وتقدير الذات، وحب الحياة، مقابل الاكتئاب في التنبؤ بالاضطراب الصدمي التراكمي.
واستخدمت الباحثة بطارية من الاختبارات الواسعة الانتشار لقياس كل متغير من المتغيرات السبعة محل اهتمام الدراسة (كمقياس التقييم الذاتي للحكمة لـ “ويبستر”، ومقياس سلوك التدين، وقائمة “أكسفورد” للسعادة، ومقياس روزنبرج لتقدير الذات، ومقياس حب الحياة، وقائمة “بك” Beck للاكتئاب).
لدى عينة كبيرة نسبيًّا من الجمهور تراوحت أعمارهم بين 22-55 سنة، وأسفرت النتائج عن وجود علاقة ارتباطية بين الاضطراب الصدمي التراكمي وخمسة من المتغيرات محل الاهتمام (سلوك التدين، والسعادة، وتقدير الذات، وحب الحياة، والاكتئاب)، ما عدا متغير الحكمة فلم ترتبط بهذا الاضطراب بشكل دال.
والدراسة على هذا النحو باختيارها لعدد مناسب من المتغيرات، وتطبيقها على عينة كبيرة نسبيا (444) أَمكنها الإسهام في تحديد ملامح العلاقة والمقدرة التنبؤية لمتغيرات شاع الاختلاف حول درجة ارتباطها وتنبؤها بالاضطراب الصدمي التراكمي.
أمَّا البحث الثاني، فأجرته الدكتورة داليا نبيل حافظ أستاذ علم النفس المساعد، ورئيس قسم علم النفس بكلية الآداب جامعة حلوان. بهدف تطبيقي مباشر وهو التحقق من مدى فاعلية برنامج إرشادي معرفي سلوكي (من إعداد الباحثة) للتدريب على أساليب إدارة الصراعات الزواجية لدى عينة صغيرة نسبيا -لإتقان التحكم في إجراءات التدريب-و(ن=16).
تتراوح أعمارهم ما بين (25-45) عامًا”، وكشفت النتائج عن فعالية البرنامج الإرشادي المعرفي السلوكي في تدريب الأزواج والزوجات على أساليب إدارة الصراعات الزواجية، وهو ما تجلى في وجود فروق دالة إحصائيا” بين التطبيقين القبلي والبعدي في أساليب إدارة الصراعات الزواجية لدى أفراد المجموعة التجريبية.
إذ وَجدت فروق دالة في اتجاه القياس البعدي بالنسبة للأساليب الإيجابية (الاحتواء – ضبط الذات – المشاركة)، مقابل وجود فروق في اتجاه القياس القبلي بالنسبة للأساليب السلبية (المنافسة – التسلط – عدم تقبل الاختلاف). وعند فحص بقاء أثر التدريب، لم تظهر النتائج وجود مؤشرات دالة على ذلك إذ أوضحت النتائج غياب الفروق الدالة بين التطبيقين البعدي والتتبعي في أساليب إدارة الصراعات الزواجية.
وبحثا عن المتغيرات ذات الدور الفاعل في تحقيق جودة الحياة الزواجية، جاء البحث الثالث، الذي أجرته الدكتورة نصرة منصور مدرس علم النفس بكلية الآداب جامعة القاهرة، إذ هَدف البحث إلى التحقق من العلاقة والدور النسبي لكل من متغيري “المقاومة النفسية” و”توكيد الذات” في التنبؤ بـ “جودة الحياة الزواجية” ومتغيراتها النوعية، وذلك لدى عينة من الزوجات (ن=200). قيست متغيرات الدراسة من خلال ثلاثة مقاييس مختارة سبق تطبيقها واختبار كفاءتها السيكومترية في دراسات إمبريقية سابقة.
بينت النتائج تحقق فروض البحث إذ وجد ارتباط دال بين المقاومة النفسية وتوكيد الذات من ناحية وجودة الحياة الزواجية من ناحية ثانية. كما وجدت ارتباطات دالة موجبة بين وجودة الحياة الزواجية وأبعاد المقاومة النفسية المتمثلة، فِي: الصلابة النفسية، وتقدير الذات، ومواجهة الضغوط، وحل المشكلات، والمرونة، والكفاءة الاجتماعية، واستراتيجيات المساندة الاجتماعية والبحث عنها، والقيم الأخلاقية والدينية. كما أظهرت النتائج احتلال توكيد الذات الدور التنبؤي الأول والدال بجودة الحياة الزواجية لدى الزوجات، وتنبؤ تفاعل المقاومة النفسية وتوكيد الذات بجودة الحياة الزواجية. في إطار توجه سيكومتري في الأساس، جاء البحث الرابع الَّذي أجرته الدكتورة ناهد فتحي مدرس علم النفس بكلية الآداب جامعة المنيا.
والذي هدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف شديدة الارتباط بعضها ببعض أولها سيكومتري حيث التعرف على البناء العاملي لمقياس المناعة النفسية (من إعداد الباحثة) لدى المتفوقين دراسيًّا من طلاب الجامعة بهدف الكشف عن مستوى المناعة النفسية لديهم، ثم يأتي أهدف الثاني المرتبط بالأول وهو الكشف عن الارتباطات بين أبعاد المناعة النفسية، وكُل من الكفاءة الذاتية المدركة والقدرة على حل المشكلات والتوجه نحو الهدف، وفي إطار نتائج هذه الارتباطات يأتي الهدف الثالث، وهو التعرف على دور المتغيرات الثلاثة كمتنبئات بالمناعة النفسية.
وبينت نتائج التحليل العاملي تكون مقياس “المناعة النفسية” من عشرة أبعاد، ووجد مستوى مرتفع من المناعة النفسية لدى المتفوقين دراسيًّا من طلاب الجامعة، أما نتائج معاملات الارتباط فبينت وجود علاقة إيجابية بين المناعة النفسية من جهة وكل من الكفاءة الذاتية المدركة والقدرة على حل المشكلات والتوجه نحو الهدف من جهة ثانية. كما تنبأت المتغيرات الثلاثة (الكفاءة الذاتية المدركة، والقدرة على حل المشكلات، والتوجه نحو الهدف) بالمناعة النفسية لدى المتفوقين دراسيًّا من طلاب الجامعة.
باكتمال الاطلاع على بحوث هذا العدد، سيلمح القارئ الاهتمام الشديد في البحوث الامبريقية الأربعة بالإجراءات المنهجية، واستخدام القائمات على إعداد البحوث باستخدام عديد من المتغيرات لاختبار الفروض البحثية لدراساتهن، عملا بالتوصية التي أشار إليها دليل النشر الخاص بجمعية علم النفس الأمريكية APA، الذي أوصى مُعدوه بضرورة استخدام عدد كافٍ من المتغيرات في الدراسات النفسية لإمكان الإحاطة بجوانب الظاهرة النفسية متعددة الأبعاد. وهذا الاهتمام هو ما يجعل من هذا العدد عددًا متميزًا بشكل واضح في مجال البحث السيكولوجي، والذي نقدمه للقارئ العربي آملين في إثراء المكتبة العلمية العربية بالبحوث العلمية الجادة.

0 تعليق